فصل: تفسير الآية رقم (138):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: النكت والعيون المشهور بـ «تفسير الماوردي»



.تفسير الآية رقم (137):

{وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (137)}
قوله عز وجل: {وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ} أما شركاؤهم ها هنا ففيهم أربعة أقاويل:
أحدها: الشياطين، قاله الحسن، ومجاهد، والسدي.
والثاني: أنهم قوم كانوا يخدمون الأوثان، قاله الفراء، والزجاج.
والثالث: أنهم الغواة من الناس.
وفي الذي زينوه لهم من قتل أولادهم قولان:
أحدهما: أنه كان أحدهم يحلف إن وُلِدَ له كذا وكذا غلام ان ينحر أحدهم كما حلف عبد المطلب في نحر ابنه عبد الله، قاله الكلبي.
والثاني: أنه وَأَدُ البنات أحياءً خِيْفَة الفقر، قاله مجاهد.
{لِيُرْدُوهُمْ} أي ليهلكوهم، ومنه قوله تعالى: {وَمَا يُغْنِي عَنهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى} [الليل: 11] يعني إذا هلك.
وفي ذلك وجهان: أحدهما: أنهم قصدوا أن يردوهم بذلك كما قصدوا إغواءَهم.
والثاني: أنهم لم يقصدوا ذلك وإنما آلَ إليه فصارت.
هذه لام العاقبة كقوله: {فَالْتَقَطَهُ ءَالُ فِرْعَونَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً} [القصص: 8] لأن عاقبته صارت كذلك وإن لم يقصدوها.

.تفسير الآية رقم (138):

{وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (138)}
قوله عز وجل: {وَقَالُوا هَذِهِ أَنعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ} أي ومنه قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً} [الفرقان: 22] أي حراماً، قال الشاعر:
قبت مرتفقاً والعين ساهرة ** كأن نومي عليَّ الليل محجور

{لاَّ يَطْعَمُهَآ إِلاَّ مَن نَّشَآءُ بِزَعْمِهِمْ} قال الكلبي: جعلوها للرجال دون النساء.
وفي الأنعام والحرث التي قالوا إنه لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم قولان.
أحدهما: أن الأنعام التي يحكمون فيها بهذا الحكم عندهم هي البَحِيْرَة والحام خاصة، والحرث ما جعلوه لأوثانهم، قاله الحسن، ومجاهد.
والثاني: أن الأنعام هي ذبائح الأوثان، والحرث ما جعلوه لها.
ثم قال تعالى: {وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا} فيها قولان:
أحدهما: أنها السائبة.
والثاني: أنها التي لا يحجون عليها، قاله أبو وائل.
{وَأَنْعَامٌ لاَّ يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا} وهي قربان أوثانهم يذكرون عليها اسم الأوثان، ولا يذكرون عليها اسم الله تعالى.
{افْتِرَآءً عَلَيْهِ} أي على الله وفيه قولان:
أحدهما: أن إضافتهم ذلك إلى الله هو الافتراء عليه.
والثاني: أن ذكرهم أسماء أوثانهم عند الذبيحة بدلاً من اسم الله هو الافتراء عليه.

.تفسير الآيات (139- 140):

{وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (139) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (140)}
{وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا}، قرأ الأعمش {خَالِصٌ}، وفي {خَالِصَةٌ} وفي {خَالِصٌ} وجهان:
أحدهما: أن {خَالِصَةٌ} أبلغ من {خَالِصٌ} وإن كانت في معناه فدخلت الهاء للمبالغة كقولهم: علاَّمة، ونسَّابة، قاله الكسائي.
والثاني: أن دخول الهاء يوجب عوده إلى الأنعام لتأنيثها، وحذف الهاء، يوجب عوده إلى ما في بطونها لتذكيره، قاله الفراء.
وفي ذلك ثلاثة أقاويل:
أحدها: أن ما في بطونها الأجنة، قاله: مجاهد.
والثاني: الألبان، قاله قتادة.
والثالث: الجميع: الأجنة والألبان، قاله مقاتل.
وفي جعلهم ذلك لذكورهم دون إناثهم وأزواجهم قولان:
أحدهما: لأن الذكور هم خدام الأوثان.
والثاني: تفضيلاً للذكور على الإناث.
وأصل الذكور من الذِّكْر، وفي أخذه من الذِّكْر وجهان:
أحدهما: لأنه المذكور بين الناس فكان أنبه ذِكْراً من الأنثى.
والثاني: لأنه أشرف، والذِّكْر هو الشرف، قاله الله تعالى: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ} [الزخرف: 44] أي شرف.

.تفسير الآيات (141- 142):

{وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (141) وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (142)}
قوله عز وجل: {وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْروشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ} أما الجنات فهي البساتين يحفها الشجر، وأما الروضة فهي الخضراء بالنبات، وأما الزهرة فهي باختلاف الألوان الحسنة.
وفي قوله: {مَعْرُوشَاتٍ} أربعة أقاويل:
أحدها: أنه تعريش الناس الكروم وغيرها، بأن ترفع أغصانها، قاله ابن عباس، والسدي.
والثاني: أن تعريشها هو رفع حظارها وحيطانها.
والثالث: أنها المرتفعة عن الأرض لعلو شجرها، فلا يقع ثمرها على الأرض، لأن أصله الارتفاع ولذلك سُمِّيَ السرير عرشاً لارتفاعه، ومنه قوله تعالى: {خاوية على عروشها} [الكهف: 42] و[الحج: 45] أي على أعاليها وما ارتفع منها.
والرابع: أن المعروشات ما عرشه الناس، وغير المعروشات ما نبت في البراري والجبال.
{كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} وإنما قدم ذكر الأكل لأمرين:
أحدهما: تسهيلاً لإيتاء حقه.
والثاني: تغليباً لحقهم وافتتاحاً بنفعهم بأموالهم.
وفي قوله: {وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} ثلاثة أقاويل:
أحدها: الصدقة المفروضة فيه: العُشْر فيما سقي بغير آلة، ونصف العشر فيما سقي بآلة، وهذا قول الجمهور.
والثاني: أنها صدقة غير الزكاة، مفروضة يوم الحصاد والصرام وهي إطعام من حضر وترك ما تساقط من الزرع والثمر، قاله عطاء ومجاهد.
والثالث: أن هذا كان مفروضاً قبل الزكاة ثم نسخ بها، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، وإبراهيم.
{وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} فيه خمسة أقاويل:
أحدها: أن هذا الإسراف المنهي عنه هو أن يتجاوز رب المال إخراج القدر المفروض عليه إلى زيادة تجحف به، قاله أبو العالية، وابن جريج.
وقد روى سعد بن سنان عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المُعْتَدِي فِي الصَّدَقَةِ كَمَانِعِهَا» وقيل: إنها نزلت في ثابت بن قيس بن شماس وقد تصدق بجميع ثمرته حتى لم يبق فيها ما يأكله.
والثاني: هو أن يأخذ السلطان منه فوق الواجب عليه، قاله ابن زيد.
والثالث: هو أن يمنع رب المال من دفع القدر الواجب عليه، قاله سعيد بن والمسيب.
والرابع: أن المراد بهذا السرف ما كانوا يشركون آلهتهم فيه من الحرث والأنعام، قاله الكلبي.
والخامس: هو أن يسرف في الأكل منها قبل أن يؤدي زكاتها، قاله ابن بحر.
قوله عز وجل: {وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً} فيه ثلاثة أقاويل:
أحدها: أن الحمولة كبار الإبل التي يُحْمَلُ عليها، والفرش صغارها التي لا يحمل عليها، مأخوذ من افتراش الأرض بها على الاستواء كالفرش.
وقال ابن بحر الافتراش الإضجاع للنحر، فتكون الحمولة كبارها، والفرش صغارها، قال الراجز:
أورثني حمولة وفرشا ** أمشّها في كل يوم مشّا

أي أمسحها، قاله ابن مسعود، والحسن، ومجاهد.
والثاني: أن الحَمُولة ما حُمِلَ عليه من الإبل والبقر، والفرش: الغنم، قاله ابن عباس، وقتادة، ومنه قول ابن مسلمة:
وحوينا الفرش من أنعامكم ** والحمولات وربات الحجل

والثالث: أن الحملة ما حمل من الإبل، والبقر، والخيل، والبغال، الحمير، والفرش ما خلق لهم من أصوافها وجلودها.
{كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ} يحتمل وجهين:
أحدهما: من الحمولة ليبين أن الانتفاع بظهرها لا يمنع من جواز أكلها.
والثاني: أنه إذن منه في عموم أكل المباح من أموالهم، ونهى عن أكل ما لا يملكونه.
{وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} فيها قولان:
أحدهما: أنها طريقه التي يدعوكم إليها من كفر وضلال.
والثاني: أنها تخطيه إلى تحريم الحلال وتحريم الحرام، وقد ذكرنا ما في ذلك من زيادة التأول ومن الاحتمال، وأنه الانتقال من معصية إلى أخرى حتى يستوعب جميع المعاصي، مأخوذ من خطو القدم: انتقالها من مكان إلى مكان.
{إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} فيه قولان:
أحدهما: أنه ما بان لكم من عداوته لأبيكم آدم.
والثاني: ما بان لكم من عداوته لأوليائه من الشياطين، قاله الحسن.

.تفسير الآيات (143- 144):

{ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آَلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (143) وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آَلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (144)}
قوله عز وجل: {ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} أما الزوج فاسم ينطلق على الواحد وعلى الاثنين، يقال للاثنين زوج، ويقال للواحد زوج لأنه لا يكون زوجاً إلا ومعه آخر له مثل اسمه، قال لبيد:
من كل محفوف يظل عصيه ** زوج عليه كلة وقرامها

فلذلك قال: {ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} لأنها ثمانية آحاد.
ثم فسرها فقال: {مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ} يعني ذكراً وأنثى.
{وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ} يعني ذكراً وأنثى.
{قُلُ ءَالذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ} إبطالاً لما حرمته الجاهلية منها في البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام.
{أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ} يعني قولهم: {مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَرْحَامِ خالصةً لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا}.
ثم قال تعالى: {وَمِنَ الإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ} يريد به ما أراده في الضأن والمعز وأن هذه الثمانية أزواج حلال لا يحرم منها شيء بتحريمكم.
حكى أبو صالح عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أتاه عوف بن مالك، فقال له: أَحَلَّلْتَ ما حرمه أباؤنا، يعني من البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقال: {ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ} فسكت عوف لظهور الحجة عليه.

.تفسير الآية رقم (145):

{قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (145)}
قوله عز وجل: {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً} يعني أن ما حرموه من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام لم يحرمه الله تعالى ولا أوحى إليَّ بتحريمه، ثم بيَّن المحرَّم على وجه الاستثناء لأن نفي التحريم خرج مخرج العموم، فقال: {إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً} وهي التي خرجت روحها بغير ذكاة.
{أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً} يعني مهراقاً مصبوباً ومنه سمي الزنا سفاحاً لصب الماء فيه ضائعاً، وقال طرفة بن العبد:
إني وجدَّك ما هجوتك والأن ** صاب يسفح فوقهن دم

فأما الدم غير مسفوح فإن كان ذا عروق يجمد عليها كالكبد والطحال فهو حلال لقوله صلى الله عليه وسلم: «أُحِلَّتْ لَنَا مِيْتَتَانِ وَدَمَانِ، فَالمِيْتَتَانِ: الحُوتُ وَالجَرَادُ، وَالدَّمَانِ: الكَبِدُ وَالطُّحَالُ». وإن كان غير ذي عروق يجمد عليها وإنما هو مع اللحم وفيه، ففي تحريمه قولان:
أحدهما: لا يحرم لتخصيص التحريم بالمسفوح، وهو قول عائشة، وعكرمة، وقتادة، قال عكرمة: لولا هذه الآية لتتبع المسلمون عروق اللحم كما تتبعها اليهود.
والثاني: أنه حرام لأنه من جملة المسفوح وبعضه، وإنما ذكر المسفوح لاستثناء الكبد والطحال منه.
{أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ} يعني نجساً حراماً.
{أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} يعني ما ذبح للأوثان والأصنام، سماه فسقاً لخروجه عن أمر الله.
فإن قيل: لم اقتصر هنا على تحريم هذه الأربعة وقد ذكر في المائدة غيرها من المنخنقة والموقوذة والمتردية؟ قيل: لأن هذا كله من جملة الميتة فذكره هناك مفصلاً وها هنا في الجملة.
وفي هذه الآية قولان:
أحدهما: أنها مشتملة على جميع المحرمات فلا يحرم من الحيوان ما عدا هذا المذكور فيها، وهذا قول ابن عباس، وعائشة.
والثاني: أنا تشتمل على تحريم ما تضمنها وليست مستوعبة لجميع المحرمات لما جاءت به السنة من تحريم كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير، وهذا قول الجمهور.